أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

82

نثر الدر في المحاضرات

في الملك ، وأن يحتجّ لتلك العقوبة بما يستحقّ ذلك الذّنب ، ولا يستطيع ترك عقابه ، لما في ذلك من الفساد على علمه بأنّ عذره غير مبسوط عند العامة ، ولا معروف عند أكثر الخاصّة . ونزل رجل فعدا بين يديه ، فأشار بيده أن حسبك ؛ فقال له بعض من كان بقرب من المأمون : اركب . فقال المأمون : لا يقال لمثل هذا : اركب ، إنما يقال له : انصرف . تحدّث المأمون يوما ؛ فضحك إسحاق بن إبراهيم المصعبي ؛ فقال : يا إسحاق ، أؤهلك لشرطتي ، وتفتح فاك من الضحك ؟ خذوا سواده وسيفه ، ثم قال : أنت بالشراب أشبه ، ضعوا منديلا على عاتقه ؛ فقال إسحاق : أقلني يا أمير المؤمنين . قال : قد أقلتك ، فما ضحك بعدها . قال المأمون : لأن أقتدي بسيرة أنو شروان أحبّ إليّ من أن أقتدي بسيرة عمر بن عبد العزيز ؛ لأنّ أنو شروان كان عنده أن الحقّ له ، وكان عند عمر أن الحقّ ليس له ، وأقام عليه . وقال لعليّ بن هشام : يا عليّ ، إياك وهذه الخصال ، فإنّ الملوك ، تحتمل كل شيء ما خلاهنّ : القدح في الملك ، وإفشاء السّرّ ، والتعرض للحرم . وقال : ليس من توكّل المرء إضاعته للحزم ، ولا من الحزم إضاعته للتوكل . المعتصم « 1 » لما أقطع المعتصم أشناسا ضياع الحسن بن سهل ، وجّه الحسن بقبالاتها إلى أشناس ، وكتب إليه : قد عرفت رأي أمير المؤمنين في إخلاصك بهذه الضّياع ، وأحببت ألا تعرض على عقبك عقبى ؛ فأنفذت لك قبالاتها معتدّا في قبولكها بإسباغ النعمة

--> ( 1 ) المعتصم العباسي : هو محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي ، أبو إسحاق ، ولد سنة 179 ه ، وتولى الخلافة سنة 218 ه ، وكان شجاعا قويا بنى مدينة سرّ من رأى وبها توفي سنة 227 ه ( البداية والنهاية 10 / 313 - 315 ) .